الوضع المظلم
الخميس ٠٥ / فبراير / ٢٠٢٦
Logo
  • سوريا الجديدة الدولة المُشتهاة : بين فخّ "الهويات القاتلة" وحق الشعوب في الكرامة

سوريا الجديدة الدولة المُشتهاة : بين فخّ
أحمد منصور

تمرّ سوريا اليوم بمرحلة مخاض عسير، هي الأخطر في تاريخها الحديث. فبعد عقود من الاستبداد وخمسة عشر عاماً من الحرب، يبرز خطر جديد يهدد أركان المجتمع: خطر "التخندق الهوياتي" (المناطقي، الطائفي، والعشائري). إن ما ينفثه بعض "ناشطي الشاشات" من سموم وإهانات بحق أهل دمشق، متهمين إياهم بالخنوع، ليس مجرد جهل، بل هو اعتداء صارخ على وعي السوريين الذين أثبتوا في كل الميادين أن الوجع واحد والمصير واحد.

"و ستبقى دمشقُ قلبَ سوريا النابض، الرئةَ التي احتضنت الجميع في المِحنة، والقلعةَ التي قاومت القهر بصبر أهلها وحكمتهم؛ فمن عاش أوجاع الداخل لا يُزاود عليه مَن نأى بنفسه، وكرامةُ "الشامي" من كرامة السوريين جميعاً، لا تُنقصها أبواق الفتنة ولا تمسّها سفاهة العابرين"
​يتناسى هؤلاء المزاودون أن دمشق، وفي أحلك الظروف، شهدت وتشهد تحركات سلمية تطالب بأبسط مقومات الحياة. إن التظاهر السلمي هو حق مشروع ومصان، وما خرج من أجله السوريون في العاصمة مؤخراً —من مختلف أطيافهم— لم يكن ترفاً، بل كان صرخة ضد واقع معيشي "قاتل"، ​أن المظاهرة حملت صرخة الجوع والكرامة
​فاتورة الكهرباء كأداة قمع: وقهر كيف يمكن لموظف من الدرجة الأولى أن يدفع تكلفة فاتورة كهرباء منزله، فما بالك بالعمال والمياومين، أن يسدد فاتورة كهرباء تتجاوز راتبه الشهري؟
​المطالب المحقة: إن المطالبة بالعيش الكريم وحل أزمات الخدمات ليست "عمالة" بل هي قمة الوطنية. هؤلاء المتظاهرون يواجهون بصدورهم العارية تركة ثقيلة من الفشل الاقتصادي والفساد، ومن السخف أن يُرموا بتهم الخنوع وهم يقاومون الإذلال اليومي بلقمة عيشهم.

​إن اتهام المجتمع الدمشقي ووهم "المزاودة" وفخ التخوين بالخنوع هو قراءة مشوهة؛ فالاستبداد كان منظومة قهر شملت الجغرافيا السورية كلها. وكما وجد "الشبيحة والعملاء" في كل بقعة، وجد الصامدون والمقاومون بصمت في كل بيت دمشقي وكذلك بقية المحافظات.
​دمشق كانت الرئة: احتضنت آلاف العائلات النازحة من المحافظات الأخرى، وقاسمتهم الرغيف والبيت والوجع.
​جيش الاستبداد: لم يتشكل من منطقة واحدة، بل كان يضم قيادات وأفراداً من كل المحافظات والشرائح، مما يجعل تعميم التهمة على "أهل الشام" مغالطة تاريخية وأخلاقية.
​"إن من حرر البلد من سطوة الطغيان هو صمود المجتمع السوري وتنوعه. والتحرر الحقيقي لا يكتمل إلا بالتحرر من عقلية الإقصاء وخطاب الكراهية الذي لا يخدم إلا أعداء الاستقرار."
​سوريا اليوم سفينة مثقوفة بآلاف الثقوب والمواطنة هي القارب الوحيد، ولا يمكن ترميمها عبر "اجتثاث" فئات سورية لأنها بقيت في مناطق سيطرة معينة. السوريون —بمن فيهم الصامتون أو حتى الذين كانوا في الطرف الآخر— هم أبناء بلد واحد، لهم حقوق المواطنة وعليها واجباتها. إن بناء الدولة يبدأ من سيادة القانون الذي يحمي المتظاهر السلمي، ويحاسب المسيء، ويمنع خطاب الكراهية.
​وفي النهاية أطالب هؤلاء الناشطين والإعلاميين للاعتذار والتعقل
وأولئك الذين يبحثون عن "الترند" على حساب كرامة أهلهم في دمشق أن يتوقفوا فوراً. إن ما يفعلونه يوسع دوائر الخلاف ويخدم أجندات التمزيق. سوريا بحاجة إلى "بنائين" لا "هادِمين"، وبحاجة لخطاب يجمع الشتات لا يبعث الحزازات.
​على الجميع أن يدرك: إن عدو السوريين كان الاستبداد والجوع والفساد، والانتصار عليهما لا يكون إلا بوحدة الصف، والاعتذار لكل من أوذي بكلمة تخوين، والعمل معاً لسد ثقوب السفينة قبل أن تغرق بنا جميعاً.

ليفانت:  أحمد منصور
 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!